سيشرق الفجر على استحياء، كأن ضوءه يرفض أن ينكشف على يومٍ ينحني له التاريخ خشوعًا. ستتثاقل الشمس في صعودها، ويغدو الصباح باهتًا، كأن الكون بأسره يرفض أن يستقبل هذا اليوم الرهيب. في الطرقات، سيمضي الناس لا كما يمضون كل يوم، بل كمن يسير بين حلمٍ وحقيقة، بين تصديقٍ وذهول. وجوهٌ شاحبة، عيونٌ مثقلة بدموع لم تنهمر بعد، وصدورٌ يضجّ فيها الحزن، لكنه ليس الحزن الذي يكسر، بل الحزن الذي يصقل العزائم ويشدّ العروق.
سيغدو الهواء نفسه مثقلاً بالهيبة، تتردد فيه أنفاسٌ محبوسة، وصرخاتٌ مكتومة، وخفقات قلوبٍ تعلم أنها اليوم لا تنبض لحياةٍ عادية، بل تنبض في وداع من لم يكن يومًا مجرد إنسان، بل كان أمةً تسير، تاريخًا يُكتب، ونبضًا لا يعرف السكون. سيمضي الموكب، وسيبدو الزمن وكأنه يُبطئ خطواته، كأنه يخشى الوصول إلى تلك اللحظة الفاصلة التي ستُهال فيها ذرات التراب، ويُسدل فيها ستار الرحيل الأخير.
في الشوارع، سيغدو الحزن لغةً يفهمها الجميع بلا كلمات، مزيجًا من الأسى والعزة، من الدموع والعهد. الأيدي المرفوعة لن تكون أيدٍ مستسلمة، بل أيدٍ تمسح الدمع لتكمل الطريق، والقلوب التي ستحترق لن تنطفئ، بل ستضيء نارًا لا تخمد، نار الوفاء، نار العهد، نار المسيرة التي لا تُطفئها لحظة وداع.
وحين يُحمل الجسد الطاهر، لن يُحمل كأي جسد، بل سيرتفع كرايةٍ فوق الأكتاف، خفيفًا كأنه لا يعرف الفناء، ثقيلًا كأنه يحمل على أكتافه تاريخًا من المجد والتضحيات. سيمدّ الجميع أيديهم، يريدون أن يلامسوه للمرة الأخيرة، أن يودعوه لا كما يُودَّع الراحلون، بل كما يُودَّع الخالدون. ستذرف العيون دموعًا لا ككل الدموع، بل دموعًا تُخضّب الأرض بقسمٍ أن الرحيل لن يكون نهاية، بل انطلاقةً جديدة، وأن من يغيب بجسده، يبقى في كل حجر، في كل نسمة هواء، في كل قلبٍ لم يعرف الانكسار.
وحين يُهال التراب، لن يكون ذلك ختامًا، بل ولادةً أخرى، حيث يتحول الاسم إلى نشيدٍ خالد، يردده الأحرار في صلواتهم، في معاركهم، في أحلامهم التي لن تموت. لن يكون ظلامٌ بعد اليوم، لأن من رحل كان شعلةً، ولأن الشعلة لا تنطفئ، بل تتقد أكثر كلما حاولت يدُ الحقد أن تخفي نورها. هذا الأحد، الأرض تبكي، لكن بعده سيحمل صوته، وسيمضي كل من سار في وداعه حاملًا رايته، ليكتب بدمه وكبريائه أن الحكاية لا تنتهي، وأن العظماء، وإن غابوا، يبقون خالدين كالشمس التي تأبى الغياب.
#إناعلىالعهد