الباحث السياسي الدكتور بلال اللقيس
ما بعد حزب الله، ما بعد المقاومة، ما بعد الطائفة الشيعية
(بإنتخاب رئيس للبنان بدونهم )... زمن جديد وغير ذلك من المقولات التي روّجها خصوم حزب الله وأعداؤه في الداخل والخارج على التوالي . الغاية واحدة هي إظهار أنّ حزب الله قد تراجع وأنّ تراجعه هذا بات يحّتم عليه تغييراً في هويته وخضوعا لمشروع أميركا والغرب وأدواتهم الإقليميين مثله مثل بعض قوى الداخل اللبناني "الحليفة" للغرب الغريبة عن قضايا الأمة وشعوبها والمحايدة عن آلامها وآمالها والانعتاق من ربق الهيمنة وروو الشرف بدل الاستغراق في التبعية والترف . وسرعان ما سيظهر أنّ كل شعار "المابعد" ليس أكثر من فقاعات وأمانٍ لم تصمد أكثر من أيام وأشهر ليظهر خواؤها وانسلاخها عن الواقع وسكنى مروجيها في عالم الأوهام. ندّعي في هذا المقال أنّ حزب الله وحالة المقاومة وعلى عكس ما يتصور (محب سطحي أو مغرض) هو أفضل تموقعاً وتموضعاً وثقة وقدرة من ما بعد 2006 بكثير وأنّه إزاء تقّدم نوعي وكيفي رغم كل الندوب والآلام الكبيرة التي أصابت جسده.
-أولاً : الفارق بين حدّة الحربين والنتيجة العسكرية لكّل منهما : رغم الفارق الكبير لجهة الاستعداد الصهيوني لهذه الحرب والقوة النارية غير المسبوقة في تاريخ الحروب والدعم الغربي الأميركي المطلق وبلا شروط والهمجية والتوحش والقتل، ورغم مدة الحرب الطويلة نسبيا ورغم النجاح الأمني الإسرائيلي في اغتيال القادة والأمين العام وتجسيد العدو لأكثر من سبعين الفاً من جيشه وأنّ العدّو دخل هذه الحرب بأفضل ما يمكن أن يدخل طرفاً فيها بينما كانت المقاومة في أسوأ ظرف عسكري لطرف يدخل الحرب ، رغم ذلك كله ثبت أنّ المقاومة نموذج جبار لا يغلب ولا يُهزم ولا يسقط ولديها قدرة هائلة أن تستعيد التوازن بسرعة وتنهض وتبادر وتقاتل قتالا أسطوريا وتتماسك مع شعبها وتصنع ملاحم بجيش العدو إلى أن انتهى المشهد بطلب العدو الوساطة خشية بدء خسارة ما أنجزته من نقاط نكتية بداية المعركة وارهاقه وتعبه وانكشافه داخلياً حين استمّرت الصواريخ والمسيرات تدّك الكيان لآخر يوم وساعة وفشل جيشه في إحراز أي تقدم يمكن ترجمته بل بقي يقاتل في قرى الحافة الأمامية. لو حدثت هذه الحرب بمواجهة دول عربية مجتمعة لا ابال القول انه ربما سقطت عواصمها بأيام قليلة تحت مجنزرات الجيش الإسرائيلي ولفرضوا مندوبا ساميا لهم ( نستحضر ما حدث عام 67 وعام 82 حين وصولوا العاصمة بيروت ووفرضوا رئيساً للجمهورية على لبنان بإرادتهم ، وصولاً الى عام 2006 حين استطاعوا أن يصلوا الى الليطاني ) بينما لم يتمكنوا من ذلك اليوم رغم الفارق الكبير بين الحربين . قد يقول قائل إنّ النتيجة التي كانت متوخاة من محبي المقاومة وربطاً بخطابها السابق أعلى من ذلك ولا مانع من هذا النقاش، لكن أن يقول إنّ حزب اله تراجع فهذا محض خيال بل الحقيقة أنّ حزب الله خرج مع مجتمع المقاومة ليبث بشرى للعرب والمسلمين أنّه لا يُهزم مهما كانت الظروف قاسية عليه ومهما جار عليه الزمان ، ( أمّا أولئك الذين يلاقون العدو بالقول إنّ بنية حزب الله قد ضعفت وتلاشت ولم يبق منها الا النذر القليل، فنقول لماذا لم تقض إسرائيل وتنهيه فعلاً ما دام بقي لها هذا القليل وتحّقق نصراً مطلقا كانت قد رفعته شعاراً، فيرتاح الغرب من حزب الله ومقاومته ونموذجه ويرتاح من حزب الله آخرون من دون الغرب كلّنا يعلم من هم.
حكمة حزب الله وإخلاص
قيادته لقضايا الأمة
- ثانيا : الوضعية اللبنانية في التعاطي مع هذه الحرب مقارنة بحرب تموز : لقد خاض حزب الله حرب تموز في جو انقسام عمودي عربي إيراني وإسلامي إسلامي في المنطقة وبالذات في لبنان بعد استشهاد رئيس الحكومة رفيق الحريري . وكان هناك مشروع جدّي لتطويقة وخنقه خلال الحرب داخلياً وخارجياً وبعدها ، بينما اليوم خاض حزب الله هذه الحرب بأريحية إسلامية إسلامية غير مسبوقة بل وتفاعل إسلامي وإنساني وعالمي معه كبير جداً ، فازداد رأسماله الاجتماعي والأخلاقي والقيمي والإنساني في المنطقة والعالم بأسره ، لذلك أمكن إعتبار إنخراط حزب الله نصرة لغزّة ثم حماية للبنان خطوة إستباقية وإحتوائية للمشروع الغربي الذي كان يريد الإستفراد بحزب الله والمقاومة...