يبدو أن الضمانات التي منحتها «إدارة العمليات العسكرية»، بقيادة أحمد الشرع، للحكومة العراقية بتأمين سلامة العسكريين السوريين الذين كانوا قد فرّوا إلى العراق، مع سقوط سلطة بشار الأسد، ذهبت أدراج الرياح. إذ تشير المعلومات التي حصلت عليها «الأخبار»، من بعض ذوي العسكريين البالغ عددهم 1905 من رتب مختلفة، إلى أن الاتصال انقطع مع هؤلاء منذ تاريخ دخولهم الأراضي السورية، بعدما قضوا ليل الـ 18 من الشهر الحالي في العراء بالقرب من معبر البوكمال، فيما أظهرت مقاطع فيديو متداولة، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قيام عناصر الفصيل الذي تسلّم العسكريين السوريين بتوجيه إهانات طائفية لهم خلال صعودهم إلى الحافلات التي أقلّتهم إلى العاصمة السورية، علماً أن قرابة 350 عسكرياً كانوا قد رفضوا العودة بسبب مخاوف من عدم صدقية ضمانات «الهيئة».
وفجر اليوم التالي (19)، حاول مراسل «الأخبار» الاقتراب من الحافلة أثناء مرورها بمدينة دير الزور لتقصّي أوضاع العسكريين، لكن محاولته باءت بالفشل بسبب التشديد الأمني من قبل عناصر «الهيئة»، والذين منعوا الصحافيين من تصوير قافلة الحافلات التي سلكت طريق دير الزور - تدمر - دمشق، ورافقها عدد كبير من السيارات المزودة برشاشات ثقيلة. وبحسب شهادات عدّة من ذوي العسكريين، فإن مصير هؤلاء «لا يزال مجهولاً، من دون إمكانية الوصول إلى معلومات حول مصيرهم»، وذلك بعدما انقطع التواصل معهم نهائياً، منذ أن نُقلوا إلى «سجن عدرا» شرق العاصمة، واحتجزت مقتنياتهم الشخصية، بما فيها هواتفهم، بادعاء أن توقيفهم سيكون لمدة لا تتجاوز الـ 24 ساعة، لتنفيذ عملية تسوية أوضاعهم في المراكز التي خُصّصت لهذا الغرض قبل إطلاقهم مجدداً. وبحسب مصادر، فضّلت عدم الكشف عن هويتها، فإن إطلاق سراح هؤلاء لم يحدث بسبب خلافات بين قيادة «الهيئة» والفصيل الذي تسلّمهم، إذ يرغب الأخير في «الانتقام أو الحصول على مقابل للإفراج عنهم».
لا جدوى للوساطات العشائرية في ملف العسكريين السوريين حتى الآن
تأتي هذه التطورات في ظل عدم جدوى الوساطات العشائرية أو المجتمعية في هذا الملف حتى الآن، إذ يشير أحد أقرباء العسكريين (برتبة مقدم) إلى أن قريبه لا يزال معتقلاً برغم محاولات العائلة التواصل مع «الهيئة» في محاولة لإطلاق سراحه، من خلال وساطات عشائرية ودينية، نافياً، في الوقت نفسه، المزاعم بانتماء العسكريين الذين فرّوا إلى العراق إلى مرتبات في «الفرقة الرابعة» التي كان يتحكم بها ماهر الأسد، واصفاً تلك المعلومات بـ«غير الدقيقة»، نظراً إلى أن «التشكيلات التي كانت تنتشر في المنطقة الشرقية كانت تتبع للفرقة 17 من الجيش النظامي، واللواء 104 من الحرس الجمهوري». كما أتت معظم الردود التي تلقاها ذوو العسكريين بأنه «على خلفية انتسابهم العسكري، هم غير موجودين لدى الأمن العام، بل في سجون تتبع لفصائل، من مثل «حركة أحرار الشام»، التي ترفض إطلاق سراحهم»، وذلك على الرغم من وجود شخصيات قيادية منها في مناصب أساسية ضمن حكم الشرع.
وعلى الرغم من افتتاح مراكز «تسوية الأوضاع» في كل المحافظات، لا تزال الملاحقات للعسكريين وعناصر الأجهزة الأمنية، والذين بات يطلق عليهم اسم «فلول النظام» مستمرة. وفي هذا السياق، يكشف مصدر عشائري من مدينة البوكمال في ريف دير الزور الشرقي، أن الجهاز الأمني التابع لـ«الهيئة» يعمد إلى اعتقال كل من كان يعمل ضمن التشكيلات العسكرية النظامية أو القوات الرديفة، بذريعة «التشيّع والتبعية لإيران»، كما هي حال عناصر «الفوج 47»، فيما ينسحب الأمر نفسه على مدن ومناطق أخرى في سوريا، من مثل تدمر وريف حمص الشرقي وريف دمشق. كذلك، تم اعتقال عناصر من رتب صغيرة كانوا يعملون في الأفرع الأمنية، وبعضهم ضمن الخدمة الإلزامية التي كانت مفروضة من قِبل النظام السابق. في هذا الوقت، لا يبدو أن أيّ منظمة إنسانية أو أممية قادرة على التدخل في هذا الملف، وفقاً لمعطيات المرحلة التي تعيشها سوريا؛ إذ أدت محاولات التواصل مع تلك المنظمات إلى ردود «لا تعدو كونها مجرد وعود لم تنفذ»، وفقاً لتوصيف ذوي العسكريين المعتقلين.