العدوان بين ترهات التسوية ومعادلات الميدان
نحن أمام مسار طويل ومشوب بمزيد من التعقيد والتصعيد. لا أفق يبدو قريباً للتسوية بين لبنان وكيان العدو. ما يحكى عن قرب الوصول إلى تسوية إنما هو مضيعة للوقت ودخول في متاهات لا طائل منها وذر للرماد في العيون. سقف المطالب الإسرائيلية المرتفع أقرب إلى الترهات منه إلى الأهداف الواقعية، فيما أهداف المقاومة بإيلام العدو والحفاظ على سيادة لبنان واقعية وقابلة للتحقيق، حيث الغلبة في هذا الخضم أقرب إلى من يسعى إلى أهداف قابلة للتحقق والتطبيق.
المسار الوحيد الذي من الممكن أن يدفع إلى إيجاد تسوية حقيقية هو الميدان وما يمكن أن ينتهي إليه من تحولات وتسويات. وإذا كان الجهد الإسرائيلي قد دخل في حلقة مفرغة من القتل والتدمير، فإن الجهد المقاوم ما زال في بداياته ويتدرج في التصعيد بما يؤدي إلى إيلام العدو على قاعدة الإستنزاف و الإنهاك، وصولاً إلى رضوخه في نهاية الأمر لمنطق التسوية الذي تفرضه معادلات الميدان. فالتجارب التاريخية تفيد بأن هذا العدو دائما ما كان يرضخ في لحظة ضعف وإنهاك، فيما المقاومة وبيئتها دائما ما كانوا يتحملون ويثبتون.
وفي ظل ما يريده لبنان من تطبيق للقرار 1701 دونما زيادة أو نقصان، فإن ما تريده إسرائيل بالفعل ليس مجرد إضافات على مندرجات هذا القرار، بل الإنقلاب عليه والخروج على محدداته، ذلك أن جوهر القرار يقوم على حفظ السيادة اللبنانية، في حين أن كل ما يتم تسريبه عن الجانب الإسرائيلي من بنود كمسودات للتسوية إنما هو أقرب لشروط الإستسلام ويطيح كاملا بالسيادة اللبنانية. يحاول الإسرائيلي من خلال ذلك البناء على فلتة تفوق (في بدايات العدوان) وعلى نشوة يعمل عبثاً على تمديد مفاعيلها خارج اللحظة، حيث يحاول جاهداً القفز فوق المسار الذي بتنا نشهد إرهاصاته في غير مصلحة العدو، وتجاوز ما تلا ذلك من نهوض للمقاومة من بين الركام ومن عمق الجراحات؛ فالمقاومة التي إستطاعت العودة إلى التوازن التدريجي في الصراع مع العدو ومنعه من التقدم، قد نجحت مجدداً في إرساء المعركة على معادلة حرب النقاط التي تجيد الخوض فيها والتموضع فوقيا من خلالها، والعاقبة للمتقين.